"نهاية عصر الضامن الأمني.. وبداية زمن الشراكة المشروطة"

0

مثل إصدار كتابة الدولة للدفاع الأمريكية (البنتاغون) وثيقة "إستراتيجية الدفاع الوطني" (NDS) في تقرير من 34 صفحة، أول إستراتيجية دفاعية شاملة تصدر في ظل إدارة ترامب، والأولى منذ وثيقة 2022 التي صدرت في عهد الرئيس جو بايدن، والوثيقة، التي يُفترض أن ترسم التوجهات العسكرية الأمريكية للسنوات الأربع المقبلة، لم تكن مجرد تحديث تقني دوري، بل حملت في طياتها إعلاناً غير مباشر عن إعادة تعريف جذرية لدور واشنطن في العالم، وتحديداً في الشرق الأوسط، وفق تحليلات مراكز أبحاث أمريكية وغربية متخصصة.

تقوم الإستراتيجية الجديدة، التي تستند إلى المبادئ التي وضعها الرئيس دونالد ترامب وفي مقدمتها "أمريكا أولاً"، على أربعة محاور رئيسية أعلنت عنها الوثيقة بوضوح و هي الدفاع عن الوطن الأميركي وإعطاؤه الأولوية القصوى، وردع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ باعتبارها المسرح الرئيسي للمنافسة الإستراتيجية، وإعادة هيكلة التحالفات لمطالبة الشركاء بتحمل أعباء ومسؤوليات أكبر، ودعم الصناعة الدفاعية لتسريع الإنتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتي.

غير أن القراءة المتعمقة للنص، وما بين سطوره، تكشف عن تحولات أبعد مدى، لا سيما في ما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وفي تعريف واشنطن الجديد لـ"الحليف" و"الشريك".

من "الضامن الأخير" إلى "الشريك المشروط".. قطيعة مع العقيدة السابقة

لعل أبرز ما تنطوي عليه إستراتيجية 2026؛ هو إنهاء حقبة الدور الأمريكي بوصفه "الضامن الأمني الأخير" في الشرق الأوسط، والانتقال إلى دور "الشريك المشروط" الذي يقدم دعماً "حاسماً، لكنه محدود"، مقابل تحمّل الحلفاء المسؤولية الأولى في مواجهة التهديدات المباشرة لهم. وتنص الوثيقة صراحة، وفق ما ورد فيها، على أن الحلفاء "سيتولّون القيادة في مواجهة التهديدات التي تمسّهم مباشرة، مع دعم أمريكي حاسم، لكنه محدود".

وينقل هذا التحول، وفق تحليل نشره مركز "بروكينغز"، العلاقة من إطار "الحماية مقابل الولاء" إلى إطار تعاقدي صارم عنوانه "التمكين لا الحماية"، وتؤكد الوثيقة هذا المنطق بالحديث عن "حلفاء نموذجيين" يُعرفون بأنهم دول ترفع إنفاقها الدفاعي، وتستثمر في قدراتها الذاتية، وتنخرط في أنظمة دفاع متكاملة تتماشى مع الأولويات الأمريكية.

هذه القطيعة لم تأتِ من فراغ؛ إذ سبقتها "إستراتيجية الأمن القومي" لعام 2025، التي وضعها مستشار الأمن القومي آنذاك روبرت أوبراين، ومهدت لـ "الانكفاء الاستراتيجي المسلح" عبر تبني مفهوم "الترميم الوظيفي" للقدرات العسكرية، والتركيز على الاستثمار في أنظمة الدفاع غير المتماثلة والذكاء الاصطناعي. وقد أثمر ذلك في 2026 عن مشروع "القبة الذهبية" لحماية الأجواء الأمريكية، وإعادة تفعيل "مبدأ مونرو" لحماية نصف الكرة الغربي، في إشارة واضحة إلى أن الأولوية صارت للجبهة الداخلية على حساب الانتشار الخارجي الواسع.

الشرق الأوسط من "ساحة وجودية" إلى "عبء استراتيجي يجب احتواؤه"

في إستراتيجية 2026، تم إنزال الشرق الأوسط من مرتبة "الساحة الوجودية" إلى مرتبة "العبء الاستراتيجي الذي يجب احتواؤه"، وهو ما يصفه المحلل في معهد "هدسون" مايك دوران بـ "الردع الاقتصادي - العسكري المحدود"، وتفيد الوثيقة، وفق تحليلات مجلس العلاقات الخارجية (CFR)، بأن الهدف لم يعد تحقيق انتصارات حاسمة أو نشر الديمقراطية، بل منع "الانفجار الكبير" الذي قد يعطل سلاسل توريد الطاقة، وإدارة النزاعات المزمنة كالصراع مع إيران وشبكة حلفائها بوصفها حالات "جمود مستدام" تُدار بالعقوبات الذكية والدفاعات المتطورة، لا بالحسم العسكري.

ويذهب إلبريدج كولبي، أحد أبرز منظري "الواقعية القاسية" في واشنطن، إلى أن كل جندي أمريكي أو بطارية "باتريوت" في الشرق الأوسط "هي خصم مباشر من رصيد المواجهة المحتملة في مضيق تايوان"، وهذا ما يفسر التحول من "الهيمنة النشطة" إلى "الإدارة السلبية للمخاطر"، ومن الالتزامات المفتوحة إلى "شراكات وظيفية" تتولى فيها الدول الإقليمية المهام الأمنية والدفاعية، بينما تكتفي واشنطن بتقديم المظلة التكنولوجية والاستخباراتية.

خريطة الدعم العسكري: السلاح مقابل الاستقلال الدفاعي

لم تلغِ الإستراتيجية الجديدة الوجود العسكري أو الدعم الأمني للشرق الأوسط، لكنها غيرت طبيعته بشكل جوهري،و تشير وثيقة صادرة عن البنتاغون في نوفمبر 2025 إلى أن برامج بيع السلاح العسكري الأجنبي (FMS) والتعاون الأمني باتت تُستخدم "لتمكين الدول الشريكة بدلاً من الاعتماد على القوة الأمريكية المباشرة".

ووفق تحليل معهد المشروع الأمريكي (AEI)، فإن واشنطن تحولت من دور "المسعف الاستراتيجي" الذي يتدخل لإنقاذ الحلفاء، إلى دور "المزود التكنولوجي المشروط" الذي يبني للحلفاء القلاع ويمنحهم الخرائط والأسلحة لكنه لا يرسل جنوده للوقوف على الأسوار، ويشدد ماركو روبيو، أحد مهندسي السياسة الخارجية للإدارة، على أن هذه "الواقعية الصارمة" ترفض التعويض عن تقصير الحلفاء، وتجعل الدعم مرهوناً بزيادة الإنفاق الدفاعي المحلي والقدرة على الاندماج في أنظمة دفاع جوي موحدة.

في قلب الوثيقة، يبرز الكيان بصفته "الحليف النموذجي" (Model Ally) الذي يُعاد تعريف معايير الشراكة الإستراتيجية على أساسه، وقد ذكرت الكيانمرارا، بالإشادة الداعمة لعملياته العدوانية

وبحسب تحليل معهد "جينسا" (JINSA)، فإن نموذج الكيان يجسد "عقد الشراكة الاستراتيجي الجديد" (SPA) الذي يقوم على الاستثمار الدفاعي العالي (ما لا يقل عن 5% من الناتج المحلي)، والاستقلال الميداني، والقدرة على خوض "حروب متعددة الجبهات" دون نشر قوات أمريكية، والمساهمة في تطوير التكنولوجيا العسكرية المشتركة.

ويرى نائب الرئيس جي دي فانس أن إسرائيل هي "الحليف المثالي"؛ لأنها "شريك منتج" لا "عميل مستهلك"، وهو النموذج الذي تسعى واشنطن إلى "تصديره" إلى دول عربية وحلفاء آخرين.