مع إطلاق صافرة البداية لبطولة كأس العالم لكرة القدم لعام 2026، تتجه أنظار مليارات البشر صوب قارة أمريكا الشمالية، حيث تصنع الولايات المتحدة والمكسيك وكندا التاريخ باحتضان أول نسخة ثلاثية للرياضة الأكثر شعبية على كوكب الأرض.
هذا العرس الكروي العالمي لا يمثل مجرد منافسة على كأس ذهبية، بل هو مهرجان إنساني هائل تتداخل فيه الثقافات، وتتحرك معه حشود مليونية ترسم لوحة من الشغف والحماس في الملاعب والساحات والمطارات، محولة القارة بأكملها إلى مسرح مفتوح ينبض بإيقاع المستديرة الساحرة.
ولكن، خلف هذا البريق الاحتفالي والبهجة العارمة، تتوارى تحديات جيوسياسية وأمنية وصحية معقدة، تضع الدول المستضيفة للبطولة أمام اختبار حقيقي يكشف الفجوات العميقة بين بلدان القارة ومجتمعاتها.
في تقرير استقصائي دقيق نشرته صحيفة واشنطن بوست ، تسلط الكاتبة المتخصصة في الشؤون الصحية والأوبئة لينا صن الضوء على الجانب المخفي من هذا التجمع البشري الضخم.
ونقلت الصحيفة عن خبراء الأمراض المعدية أن المخاوف الحقيقية لا تتعلق بالفيروسات الغريبة التي تتصدر العناوين الإخبارية مثل إيبولا، بل بالأمراض الأكثر تقليدية والأسرع انتشارا في الأماكن المزدحمة كالمطارات والفنادق والملاعب، وعلى رأسها الحصبة وحمى الضنك وفيروس كورونا (كوفيد-19)، والأمراض المنقولة جنسيا.
ومن بين هؤلاء الخبراء، قالت الطبيبة المختصة بالأمراض المعدية والأستاذة المشاركة في مركز جامعة تكساس ساوثويسترن الطبي كروتيكا كوبالي، إن “الحصبة هي أكثر ما يقلقني”، مشيرة إلى أن التجمعات البشرية الضخمة في المطارات والفنادق والملاعب ومناطق المشجعين توفر بيئة مثالية لانتقال العدوى.
وتلفت واشنطن بوست إلى أن الحصبة، التي تعد من أكثر الأمراض الفيروسية المعدية في العالم، عادت للانتشار في أجزاء مختلفة من الأمريكيتين والعالم.
كما نقلت الصحيفة عن عالمة الأوبئة في كاليفورنياكايتلين جيتلينا قولها إن المرض موجود في مناطق عديدة من العالم، وإن “كل ما يتطلبه الأمر هو بؤرة صغيرة لينتشر كالنار في الهشيم”.
وما يزيد من عمق الأزمة هو تسجيل الولايات المتحدة لنحو ألفي حالة حصبة هذا العام، لاسيما مع تراجع معدلات التطعيم بعد الجائحة، حيث شهدت ولاية كارولاينا الجنوبية وحدها تفشيا ضخما بلغ 997 حالة.
مرضى مصابون بحمى الضنك في إحدى مستشفيات دكا في بنغلاديش (غيتي إيميجز)
ومع ذلك لا تقتصر المخاوف على الحصبة وحدها، فبالإضافة إلى الحصبة، تبرز حمى الضنك كمهدد رئيسي، خصوصا أن البطولة تقام في ذروة موسم نشاط البعوض في مدن مثل ميامي ولوس أنجلوس ودالاس.
وترى الطبيبة كوبالي أن أمراضا منقولة عبر الحشرات -مثل الشيكونغونيا، وأوروبوش (المعروف باسم حمى الكسل)، والملاريا- قد تفرض نفسها على أجندة الأطباء الذين سيتعاملون مع جماهير قادمة من مختلف أنحاء العالم.
كما تبقى جائحة كوفيد-19 حاضرة في حسابات السلطات الصحية رغم تراجعها عن واجهة الاهتمام العالمي، وتشير واشنطن بوست إلى أن الخبراء يتابعون أيضا الإنفلونزا والفيروس المخلوي التنفسي وأمراض الجهاز التنفسي الأخرى، فضلا عن الأمراض المنقولة جنسيا التي عادة ما ترتبط بالتجمعات الجماهيرية الكبرى والأنشطة الليلية المصاحبة لها.
وفي مواجهة هذه التحديات، عززت السلطات الأمريكية أنظمة المراقبة الوبائية، كما أنشأت جامعة جورجتاون بالتعاون مع مؤسسة “ميدستار هيلث” مركزا مستقلا لمراقبة التهديدات الصحية خلال البطولة، يعتمد على بيانات المستشفيات ومراقبة مياه الصرف الصحي والإنذارات الصحية الدولية لرصد أي مؤشرات مبكرة على تفشي الأمراض.
لكن الهواجس المحيطة بالبطولة لا تتوقف عند الجانب الصحي، فهناك جوانب سياسية وجيوسياسية أيضا، وهو ما تناولته مجلة ذا أتلانتيك في مقال تحليلي للصحفية رافاييلا جينيتش.
فقد رأت الكاتبة أن البطولة التي صممت أساسا لتجسيد وحدة أمريكا الشمالية تحولت إلى اختبار يكشف حجم الانقسامات السياسية بين الدول الثلاث المستضيفة.
وقالت إن سردية الوحدة التي بُنيت عليها فكرة استضافة الدول الثلاث للبطولة منذ عام 2017 وتجلت في مسمى “الملف المشترك” لإظهار الازدهار والتضامن في أمريكا الشمالية، تبدو اليوم فكرة غريبة وبعيدة عن الواقع في ظل القيود الصارمة على الهجرة، والنزاعات التجارية، والنزعة القومية الأمريكية المتصاعدة تحت إدارة الرئيس دونالد ترمب.
وتشير الكاتبة إلى أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) عندما منح حق الاستضافة المشتركة للولايات المتحدة والمكسيك وكندا عام 2018، كان يتصور حدثا يعكس الشراكة والتكامل بين الدول الثلاث، غير أن التطورات السياسية خلال السنوات الأخيرة، خصوصا بعد عودة ترمب إلى البيت الأبيض، غيّرت المشهد بصورة كبيرة.
ونقلت المجلة عن السفير المكسيكي السابق لدى الولايات المتحدة أرتورو ساروخان قوله “قليل من الأشياء تستطيع أن تربط المجتمعات كما تفعل استضافة مشتركة لكأس العالم”، مضيفا أنه رأى في المشروع فرصة لإبراز “التفاؤل” و”الازدهار المشترك” للقارة.
بيد أن هذه الرؤية -حسب مقال ذا أتلانتيك- اصطدمت بتصاعد الخلافات حول الهجرة والتجارة والأمن، لأن ترمب أعاد طرح أفكار مثيرة للجدل بشأن العلاقات مع كندا والمكسيك، كما لوّح بإجراءات اقتصادية وضغوط سياسية أثارت تساؤلات حول مستقبل التعاون القاري.
وتبرز المجلة أن البطولة تتزامن مع موعد حساس يتمثل في إعادة التفاوض على اتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا خلال يوليو المقبل، مما يضفي على الحدث الرياضي بُعدا سياسيا إضافيا.
ويرى جولز بويكوف أستاذ العلوم السياسية ومؤلف كتاب عن كأس العالم 2026، أن هذه النسخة قد تكون “أكثر بطولات كأس العالم قابلية للاشتعال سياسيا شهدناها على الإطلاق”.
كما تطرقت جينيش في مقالها إلى التداعيات السياسية التي صاحبت هذه النسخة من كأس العالم، مستشهدة بإجراءات الهجرة المتشددة التي اتخذتها إدارة ترمب وأثرت مباشرة على البطولة.
وذكرت في هذا الصدد أن مسؤولي الهجرة الأمريكيين احتجزوا المهاجم النجم لمنتخب العراقلمدة 7 ساعات، ومُنع مصور الفريق وحكم صومالي معتمد من الفيفا من دخول الولايات المتحدة، في حين واجه منتخب جنوب أفريقيا تأخيرات مهينة في التأشيرات، واضطر المنتخب الإيراني لأن يختار مدينة تيخوانا المكسيكية معسكرا له بسبب رفض منح تأشيرات لـ 15 من مسؤوليه.
وانتقدت الكاتبة تعامل السلطات الأمريكية في أعلى مستوياتها مع هذا الحدث العالمي. وقالت إن ترمب استغل استضافة بلاده البطولة “لإظهار القوة الأمريكية”، وهو ما تماهى معه رئيس فيفا جياني إنفانتينو الذي منح الرئيس الأمريكي “جائزة السلام” المستحدثة.
ورأت الكاتبة أن الجماهير قد تكون الخاسر الأكبر من هذا المناخ المشحون، إذ يخشى كثيرون من تأثير الإجراءات الأمنية المشددة ومخاوف الترحيل على أجواء الاحتفال الرياضي.
ومع ذلك، تشير المجلة إلى أن كرة القدم كثيرا ما تفرض واقعها الخاص، وأن حماس المشجعين قد ينجح في تجاوز التوترات السياسية بمجرد انطلاق المباريات.
وفي سياق متصل، رسم الكاتب إيان لوفيت -في تقرير بصحيفة وول ستريت جورنال – صورة قاتمة عن جانب أمني واجتماعي بالغ الحساسية يتمثل في أزمة الجريمة المنظمة واختفاء عشرات الآلاف من الأشخاص.
وركز التقرير بشكل خاص على مدينة غوادالاخارا، إحدى المدن المستضيفة للبطولة، حيث دفعت السلطات بمئات الآلاف من عناصر الأمن واستخدمت تقنيات متطورة تشمل طائرات مروحية ومركبات مراقبة وأنظمة مضادة للطائرات المسيّرة لتأمين المباريات.
وفي المقابل، تسعى منظمات حقوقية إلى استغلال الاهتمام العالمي بالبطولة لتسليط الضوء على أكثر من 130 ألف شخص مفقود في المكسيك.
ونقلت الصحيفة عن الناشط هيكتور فلوريس -المؤسس المشارك لمنظمة “ضوء الأمل”- قوله “نريد أن يعرف الناس ما الذي يحدث في المكسيك. الناس يختفون كل يوم، ويبدو أنه لا أحد يهتم سوى العائلات”.
ومن الناحية الاقتصادية والأمنية، يرجح محللون -حسب وول ستريت جورنال- أن تتجنب عصابات المخدرات أي صدام مع السياح خلال البطولة قد يجر تدخلا استخباراتيا أمريكيا، في مسعى منها للحفاظ على المكاسب الاقتصادية الضخمة التي يمكن أن تحققها من تدفق الزوار.
وأوضحت الصحيفة أن دراسة أجرتها منظمة التجارة العالمية بالاشتراك مع فيفا توقعت أن ينفق المشجع الواحد أكثر من 400 دولار يوميا، وهو ما من شأنه أن ينعش أسواقها الموازية وغير القانونية من تجارة المخدرات والخدمات غير المرخصة.
وهكذا، تنطلق كأس العالم 2026 وسط مشهد مركب تتداخل فيه الرياضة مع الصحة والسياسة والأمن، وبينما يحلم الملايين بمتابعة بطولة تاريخية تجمع أفضل منتخبات العالم، تذكر التقارير الصادرة عن واشنطن بوست وذا أتلانتيك ووول ستريت جورنال بأن الحدث لا يعكس فقط شغف كرة القدم، بقدر ما يكشف أيضا التحديات العميقة التي تواجه المجتمعات المستضيفة.